فضل أيام العشر من ذي الحجة
المحاضرة العامة من مبعوث الأزهر الشريف الأستاذ محمد مصطفى كامل الحمايمي
بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أردت أن أتكلم اليوم عن فضل أيام العشر من ذي الحجة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فيها الأعمال الصالحات التي تقربنا إليه. يقول تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): “والفجر وليال عشر والشفع والوتر”. جمهور المفسرين على أن الأيام العشر والليال العشر هي أيام ذي الحجة (العشر من ذي الحجة.)
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عبد الله بن عباس الذي جاء في الصحيحين أنه قال: “ما من أيام العمل الصالح أحب فيها إلى الله من هذه الأيام”. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء”.
لماذا فضلت هذه الأيام عن غيرها؟ ؟
لماذا فضلت الأيام العشر عن غيرها؟ ؟ لاجتماع أمهات العبادات فيها: الصلاة، الصوم، الصدقة، الحج، والنحر؛ ولم تجتمع في غيرها من سائر الأيام. يعني حتى أيام رمضان، مع قدرها وعظم شأنها وفضلها، لكن اجتمعت فيها أمهات العبادات باستثناء الحج.
هذه الأيام من الممكن أن نتقرب فيها إلى الله سبحانه وتعالى بجملة الأعمال الصالحة، ومن جملتها الحج، الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام عاجلاً غير آجل.
ومن جملة الأعمال الصالحة في هذه الأيام:
· الصلاة: نحن نصلي، لكن بعضنا يفرط في أداء الجماعات؛ فلنحرص في هذه الأيام على أن لا تفوتنا صلاة الجماعة.
· الصيام: الصيام في مثل هذه الأيام مستحب عن غيره. أن تصوم يوماً في سبيل الله -كما جاء في الحديث- باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً، فما بالكم إذا كان الصيام في هذه الأيام المباركة؟
· الصدقات: بقدر ما يستطيع الإنسان؛ فالقليل على القليل كثير. مهما كانت الصدقة لا تحقرها، كلٌ على قدر جهده وكلٌ على سعة رزقه.
· قراءة القرآن والذكر: بعض الناس يهجرون القرآن أو يتعرضون له في فترات متباعدة؛ فما أجمل في هذه الأيام أن تفتح المصحف وأن تجعل لك ورداً من القرآن تحاول أن تداوم عليه بعد هذه الأيام، فإن من أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، حتى لو بنصف صفحة.
فضل يوم عرفة
كذلك هذه الأيام فيها يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت عليه الشمس. ولغير الحاج عموماً، يستحب الصيام؛ ففي حديث أبي قتادة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة، فقال: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ” (رواه مسلم).
مسألة صيام النبي صلى الله عليه وسلم للعشر
هل الأيام العشر صامها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟ سؤال تتبعت هذه المسألة فيه:
· عندنا حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: “ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيام العشر قط”، وهذا الحديث ورد في صحيح مسلم.
· وعندنا أيضاً حديث السيدة حفصة (الذي ورد في سنن أبي داود وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة) وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان يصوم الأيام التسع”.
فهل هذا تعارض بين رواية مسلم ورواية أبي داود والإمام أحمد وابن ماجة؟؟
حل هذه المسألة باختصار -مما تتبعت من أقوال العلماء- أن “من علم حجة على من لم يعلم”، وأن “المثبت مقدم على النافي”. السيدة عائشة نفت، وبعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أثبتت؛ فنقدم رواية من أثبت على من نفى، لأن أمهات المؤمنين والصحابة لم يكونوا مع رسول الله في جميع أحواله، فلعله لم يصم عندها (في يومها)، ولعل الرواية تحتمل -وهذا من عندي- أنه لم يصم الأيام العشر مكتملات؛ فربما في يومها لم يصم، وفي يوم السيدة حفصة صام.
فمن علم حجة على من لم يعلم، ومن أثبت مقدم على من نفى؛ فنأخذ بكلام السيدة حفصة، وخاصة لأن ذلك يندرج في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح أحب فيها إلى الله من هذه الأيام”، فالصيام من عموم الأعمال الصالحة. ومعنى ذلك أن الصيام مفضل في هذه الأيام وهو من الأعمال الصالحة، وكل عمل صالح في هذه الأيام له ميزة على غيره في سائرها.
خاتمة وتذكير
فهذه الأيام أيام خير؛ تكثر فيها الخيرات، وتضاعف فيها الحسنات، وترفع فيها الدرجات، وتكفر فيها السيئات. فلنحرص جميعاً على أن يكون لنا عمل صالح نتقرب به إلى الله، لعلنا أن نصيب نفحة فلا نشقى بعدها أبدا.
إنها أيام عظيمة، العمل الصالح فيها مستحب عن غيرها؛ مما يعني أن الأعمال الصالحة مطلوبة في كل العام، لكن لها أجر خاص في هذا الوقت. فالله سبحانه وتعالى فضل بعض الأوقات على بعض، كما فضل بعض الناس على بعض (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين). فضل الأزمان والأوقات بعضها على بعض: فضل رمضان عن غيره من سائر الشهور، وفضل أيام العشر من ذي الحجة عن غيرها، وفضل ليلة القدر على غيرها. وفضل بعض الأماكن على بعض: فضل المساجد على سائر الأماكن، وفضل المسجد الحرام على سائر المساجد. وهكذا تكون العبادات في أوقات معينة أفضل من غيرها، أي أجرها مضاعف.
فهذه الأيام أيام مباركات، لا نستهين بأي عمل صالح: الأمر بالمعروف عمل صالح، النهي عن المنكر عمل صالح، التبسم في وجه أخيك عمل صالح، مهما كانت الصدقة قليلة فهي عمل صالح، الصيام عمل صالح، الذكر عمل صالح، قراءة القرآن عمل صالح، ومساعدة الغير عمل صالح. كل هذه أعمال صالحة تجعلنا مباركين نتقرب بها إلى الله عز وجل.
ثم يوم عرفة؛ عرفة من أفضل الأيام وهو خير يوم طلعت عليه الشمس، فلنحرص على الصيام فيه. لا ينبغي أن نتركه يمر كأي يوم؛ بل يكون هذا اليوم بداية هدايتك، قد يكون تفريجاً لهم، قد يكون مغفرة لذنب قديم، وقد يكون فيه دعوة تستجاب طال انتظارها سنين. فلا ندع هذا اليوم يمر كسائر الأيام، فمن فاته ربح هذا اليوم فبماذا يربح؟
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ■